سيرته ممتازة فلماذا فشل؟
السيرة الذاتية أمام صاحب القرار ممتازة. شهادات قوية وخبرة طويلة وإنجازات موثقة. ومع ذلك يخرج المعيّن الجديد من الشركة بعد سنة ونصف وتكون الخسارة أضعاف راتبه السنوي. الأرقام تقول إن هذا يحدث كثيراً حيث تفشل نسبة تتراوح بين 40% و60% من التعيينات القيادية الجديدة خلال أول ثمانية عشر شهراً. والسبب الأول ليس نقص الكفاءة، إذ تعود 60% من هذه الإخفاقات إلى عدم التوافق في الشخصية وأسلوب القيادة مع المنظمة ومرحلتها.
الخلاصة التي يعرفها كل من جرّب التوظيف القيادي أن الشخص ينجح أو يفشل كشخص أكثر من كونه مجموعة مهارات وشهادات. المهارات تحدد ماذا يستطيع أن يفعل، بينما الشخصية تحدد كيف سيفعله فعلاً وهل تناسب طريقته ما تحتاجه المؤسسة في مرحلتها الحالية؟
الخطأ الشائع هو توظيف الأفضل بدل توظيف الأنسب
المقابلات التقليدية تقيس ما يسهل قياسه من خبرة وشهادات وإنجازات سابقة. وكلها عوامل مهمة في الاختيار لكنها ليست العامل الحاسم. أحد أهم العوامل التي تغيب عن الفحصهي مدى ملاءمة شخصية المرشّح للمرحلة التي تمر بها المؤسسة الآن.
مدير بخبرة عشرين سنة ودقة تنظيمية استثنائية قد يكون خياراً ممتازاً لشركة مستقرة تريد ضبط عملياتها. ونفس الشخص قد يتعثر في شركة تعيش أزمة تتطلب قرارات لحظية قبل اكتمال المعلومات، لأن طريقة تفكيره مبنية على إدارة المخاطر بالتخطيط والضمانات لا على الارتجال تحت الضغط. المشكلة هنا ليست في الشخص ولا في خبرته، بل في وضعه في مرحلة أو بيئة لا تشبه طريقته. وهذا أشبه بأن تُسند لتوم هانكس أدوار توم كروز، فكلاهما ممثل من الطراز الأول لكن كل واحد يتفوق في مساحة مختلفة، وكذلك عندما تم اسناد مهمة تدريب فريق ريال مدريد للمدرب تشابي ألونسو، هل هو مدرب سيئ؟ ولما ينجح مدرب مثل هانزي فليك مع فريق برشلونه، هل سينجح لو درب فريق ريال مدريد؟!
الأنماط القيادية الأربعة ولكل مرحلة بطلها
لتقريب الصورة يمكن ربط الأنماط القيادية الأربعة بشخصيات يعرفها الجميع من عالم الأبطال الخارقين، وليس المجال هنا لتحليل شخصياتهم ولكن فقط لتقريب الصورة، ولا يوجد بينها نمط أفضل من نمط، بل يوجد نمط أنسب لمرحلة، وأسلوب مختلف في القيادة.
سبايدرمان وأسلوب (القائد التكتيكي) سريع البديهة يرتجل الحل في اللحظة ويتحرك قبل اكتمال الخطة ويجرّب دون خوف من الخطأ. قوته الحقيقية في مراحل الطوارئ والأزمات حيث لا وقت لدراسات الجدوى. وحين توضع المؤسسة في مرحلة تتطلب تخطيطاً بعيد المدى وإتقاناً في التفاصيل يحتاج التكتيكي إلى من يكمله
كابتن أميريكا وأسلوب (القائد اللوجستي) منظّم منضبط يبني الإجراءات ويحرص على التسلسل الصحيح ويحمي المؤسسة من الفوضى. قوته في مراحل الاستقرار والضبط والتشغيل ومنع المخاطر حيث تحتاج المؤسسة إلى أنظمة تعمل بدقة يوماً بعد يوم. وحين تدخل المؤسسة أزمة مفاجئة تتطلب تغييرات لحظية يحتاج اللوجستي وقتاً أطول مما تسمح به المرحلة
باتمان وأسلوب (القائد الاستراتيجي) يفكر بالأنظمة والنماذج والرؤية الكلية ويرى ما بعد سنوات. قوته في مراحل التأسيس وبناء الأنظمة والتوسع حيث تحتاج المؤسسة إلى من يصمم مستقبلها. وحين توضع في مرحلة استقرار تشغيلي أو طوارئ تتطلب حسماً لحظياً يجد الاستراتيجي نفسه في مساحة لا تشبه طريقته
سوبرمان وأسلوب (القائد الدبلوماسي) محوره الناس فهو يطوّر المواهب ويبني العلاقات ويحل النزاعات. قوته في مراحل التدريب والتطوير وتمكين الفرق ورأب الانقسامات الداخلية. وحين تتطلب المرحلة قرارات صعبة تمس الأشخاص مباشرة يحتاج الدبلوماسي إلى إطار يسنده
السؤال الذي يواجه صاحب القرار إذن ليس من الأقوى سيرةً، بل سؤالان اثنان. في أي مرحلة تقف مؤسستي الآن؟ وأي نمط تحتاجه هذه المرحلة؟
كيف يظهر النمط في المقابلة؟
المشكلة العملية أن المرشّح الراغب في الوظيفة سيقول ما يُتوقع منه. اسأله هل تجيد العمل تحت الضغط وسيقول نعم. اسأله هل أنت استراتيجي وسيقول بالتأكيد. فالأسئلة التي تطلب من المرشّح رأيه في نفسه لا تكشف شيئاً! أما الذي يكشف النمط هو أسئلة من نوع مختلف. أسئلة تطلب وقائع من ماضيه ثم يقرأ صاحب القرار طريقة السرد لا مضمونه. فالنمط لا يظهر في الجواب المُعد مسبقاً بل في ما يتحدث عنه المرشّح تلقائياً حين تُترك له الحرية وفي ما يتجاوزه أو يختصره دون أن ينتبه، وأنصح باستخدام هذه الأسئلة على نفسك أولا لترى أثرها عليك ثم لاحظ الفرق في إجابات المرشحين.
السؤال الأول: احكِ لي عن أفضل إنجاز في مسيرتك وماذا فعلت بالضبط؟
الجميع لديه جواب جاهز لهذا السؤال لك طريقة الكلام هي المحك، التكتيكي سيذكر موقف إنقاذ عن مشكلة انفجرت وتصرّف فيها بسرعة. اللوجستي سيذكر نظاماً بناه وإجراءات رتّبها فانخفضت الأخطاء. الاستراتيجي سيذكر تحولاً ورؤية وضعها فتغير مسار الجهة. الدبلوماسي سيذكر عن أشخاص مثل فريق طوّره أو نزاع أطفأه. كل واحد يختار من ذاكرته ما يشبه طبيعته وهذا الاختيار نفسه هو الجواب الحقيقي
السؤال الثاني: أخبرني عن آخر مرة اضطررت لاتخاذ قرار قبل اكتمال المعلومات وماذا فعلت فعلياً؟
التكتيكي سيروي القصة باستمتاع وبتفاصيل الموقف اللحظية. اللوجستي سيشرح كيف قلّص الغموض قبل أن يقرر ومن استشار وماذا راجع وما الضمانات التي وضعها. الاستراتيجي سيرفع السؤال لمستوى أعلى ويشرح كيف قرأ الاتجاهات وبنى سيناريوهات. الدبلوماسي سيحكي كيف جمع الأطراف وخرج بقرار يحفظ الجميع. لا توجد إجابة صحيحة هنا بل توجد أربع طرق تفكير والمطلوب معرفة أيها يظهر أمامك.
السؤال الثالث: صف لي أسبوع عملك المثالي وكيف يبدو يومك حين تكون في أفضل حالاتك؟
سؤال بسيط يصعب التحايل عليه لأن المرشّح لا يعرف ماذا يفترض أن يجيب. فمن يزدهر وسط الحركة والمفاجآت يرسم أسبوعاً مختلفاً تماماً عمّن يزدهر وسط نظام محكم أو من يريد مساحة للتفكير بعيد المدى أو من يمتلئ يومه المثالي بالاجتماعات وحل مشاكل الناس
السؤال الرابع: ما القرار الذي ندمت على تأجيله وما القرار الذي ندمت على تعجّله؟
هذا السؤال يكشف موقع المرشّح على ميزان السرعة والتأني من واقع تجربته لا من رأيه في نفسه. فمن تتركز قصص ندمه في التأجيل غالباً شخص سريع يتألم من البطء. ومن تتركز قصصه في التعجل غالباً شخص متأنٍ يعرف كلفة الاندفاع. والأهم من ذلك هو هل يعي المرشّح هذا عن نفسه أصلاً، فالوعي بالذات نفسه مؤشر نضج قيادي بغض النظر عن النمط
السؤال الخامس: لو انضممت إلينا فماذا ستفعل في أول تسعين يوماً؟
التكتيكي سيتحدث عن مشاكل سيعالجها فوراً. اللوجستي سيتحدث عن فهم الأنظمة القائمة قبل تغيير أي شيء. الاستراتيجي سيتحدث عن تقييم شامل ورؤية سيبنيها. الدبلوماسي سيتحدث عن جلسات مع الفريق وبناء الثقة. وهنا يملك صاحب القرار المعيار الواضح وهو هل ما سيفعله هذا المرشّح في تسعين يوماً هو ما تحتاجه مؤسستي في مرحلتها الحالية فعلاً
القراءة أهم من السؤال
هذه الأسئلة تعطي صاحب القرار زاوية جديدة في التقييم، لكن الأمانة تقتضي قول الحقيقة كاملة. فالنمط عامل في الاختيار وليس العامل الوحيد، تماماً كما أن الخبرة عامل وليست الحاسم وحدها. والقرارات المفصلية مثل اختيار شريك أو رئيس تنفيذي أو خليفة في شركة عائلية تحتاج قراءة أعمق من مقابلة واحدة، لأن ما يظهر في ساعة حوار هو الطبقة الأولى فقط من شخصية ستدير الكيان لسنوات.
لكن الفكرة المركزية تبقى بسيطة وقابلة للتطبيق غداً صباحاً. قبل المقابلة القادمة يجيب صاحب القرار عن سؤاله هو أولاً وهو في أي مرحلة تقف مؤسستي، ثم يدخل المقابلة باحثاً عن النمط الذي تحتاجه هذه المرحلة لا عن السيرة الأكثر إبهاراً. فالسيرة الذاتية تخبرك ماذا فعل المرشّح في ماضيه، أما شخصيته فتخبرك ماذا سيفعل في مستقبلك.
