هل يحتاج فريق مثل فريق برشلونه بكل نجومه إلى مدرب؟!

الإجابة البديهية.. نعم، فالفريق لا يفوز بجودة لاعبيه فقط ولا بوجود أفضل لاعب في العالم بينهم، بل يفوز بقدرته على اللعب كمنظومة. فكثرة النجوم لا تعني الانسجام، واللاعب المميز يحتاج إلى منظومة توظف قدراته ومهاراته حتى يبدع وينجح،

وهنا يأتي دور المدرب الذي يبني المنظومة ويحافظ عليها ويطورها لتحقيق الهدف، لتحقيق الفوز. هذا في الفرق الرياضية رغم وضوح أدوارها، فكيف تستغني الشركات عن هذا الدور رغم تعقيد أدوارها وعلاقاتها وقراراتها؟ والمقصود هنا بالمدرب المؤسسي ليس مقدم الدورات التدريبية٫ بل هو مدرب أو موجّه تنفيذي يعمل مع القيادات والفرق داخل واقعها اليومي لتشخيص التحديات اليومية وبناء نظام يقلل من تكرارها.

والتحدي هنا أن جمع القيادات والمؤثرين في شركة واحدة لا يعني بالضرورة أن يعملوا كفريق، فكل قائد يأتي بخبرته وأسلوبه وطموحه وكبريائه، وفي كثير من الأحيان يرى أنها هي التي صنعت نجاحه وتستمر في صناعته، وكلما اتسعت صلاحياته زاد تأثير هذه الصفات على الآخرين. ويصبح التحدي هنا هو كيفية الجمع بين قيادات اعتاد كل منهم على أسلوب قيادته، بينما الشركة لا تنجح إلا بمنظومة تجمعهم وتجمع تأثيرهم، فليس المطلوب استبدالهم أو التخلي عنهم وخاصة أنه من الصعب إيجاد بديل لهم، بل وجود من يستطيع تجاوز كبريائهم ودفاعهم عن أنفسهم إن حصل ويريهم أثر قراراتهم وسلوكهم على الفريق، ويستطيع فهم إمكانياتهم وجمع طموحاتهم لصالحه.

وبشكل أعمق فدور المدرب أن يرى ما قد لاتراه القيادة، أن يرى ما خلف السلوك الظاهر والدفاعات والأخطاء المتكررة، أن يكشف مواطن الخلل في العلاقات بين أعضاء الفريق ويعمل على تدريب وتوجيه صاحبه والعمل معاً على تصحيحه. ولا يستطيع ذلك بمجرد ملاحظة الأخطاء، بل ببناء ثقة تسمح للقائد أن يسمع ما يصعب عليه سماعه ويراجع نفسه دون أن يشعر بأن مكانته مهددة. دوره أن يكتشف الطاقات المهدرة ويعيد توجيهها، وأسباب التعطيل والعمل مع القيادة على معالجتها. أن يكتشف الشخص الصح في المكان الخطأ، أو البحث في أسباب عدم انسجامه مع زملائه. دوره في إدارة التوترات قبل أن تتفاقم، وتوجيه الطاقات باختلافاتها نحو هدف مشترك، نحو فوز الفريق.

ولا يكتمل هذا الدور بتصحيح سلوك الأفراد إذا كان نظام العمل يعيد إنتاج المشكلة نفسها. فقد يبدو الخلاف بين قائدين شخصيًا، بينما تغذّيه صلاحيات متداخلة أو أهداف متعارضة أو غياب طريقة واضحة لحسم القرار. هنا يعمل المدرب مع القيادة على تنظيم العلاقة بين الأدوار، وتحديد المسؤوليات، ووضع قواعد للاختلاف والمساءلة.

فكما يحتاج اللاعبون إلى خطة يعرف فيها كل لاعب دوره وعلاقته ببقية الفريق، تحتاج القيادات إلى نظام يجعل تعاونها مستمرًا، لا معتمدًا على حسن العلاقة أو تدخل المدرب عند كل خلاف.

ولماذا لا يكون المدير أو الرئيس هو المدرب؟ قد يستطيع أداء جانب من هذا الدور، لكنه طرف في القرارات والعلاقات، وقد يكون سلوكه نفسه جزءًا مما يحتاج إلى مراجعة. لذلك تفيد نظرة من يرى الفريق من خارج التنافس اليومي، كما يرى المدرب حركة اللاعبين من موقع مختلف عن موقع اللاعب.

وليس شرطًا أن يكون خارج الشركة، بل أن يمتلك استقلالية تسمح بالمصارحة والتشخيص. ويعمل مع القيادة على معالجة النظام أيضًا، فقد تغذّي الخلاف صلاحيات متداخلة أو أهداف متعارضة. فيساعدها على توضيح المسؤوليات وقواعد القرار والمساءلة، حتى لا يعتمد التعاون على تدخله عند كل خلاف. وهو لا يحل محل الرئيس أو الإدارات المختصة، ولا ينقل إليه مسؤولية قراراتها.

الشركة التي تستثمر في استقطاب أفضل القيادات ثم تترك تعاونهم للاجتهاد الشخصي، لم تستكمل استثمارها فيهم. فقد أحسنت اختيار كل فرد، لكنها لم تمنح التفاعل بينهم الاهتمام نفسه، مع أن هذا التفاعل هو الذي يحدد كم تستفيد من قدراتهم وكم يُهدر منها. وهذا ما يجعل وجود المدرب بديهيًا في فريق مثل برشلونة، فالمطلوب ليس امتلاك النجوم، بل الاستفادة منهم معًا داخل الملعب. والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه الشركات هو: هل نكتفي بجمع الكفاءات، أم نستثمر أيضًا في بناء الفريق الذي يجمعها؟