لماذا أنزعج عادةً من تصرف أحد الشركاء أو القيادات، بينما يرى صاحبه أن تصرفه طبيعي وغير مزعج؟

عندما نواجه مثل هذه التصرفات المزعجة، نحاول مباشرةً تفسيرها أو الحكم عليها بأحكام سريعة، فنقول إن صاحب التصرف غير محترم، أو أنه غير متربي، أو قليل الأدب، وغيرها من الأحكام السريعة. والخطورة في أن تُبنى على هذه الأحكام السريعة قرارات تقطع الشراكة أو تفسد العلاقة بين القيادات.

هناك أسباب كثيرة للشعور بالانزعاج من تصرفات بعض الناس، لكنني أود التركيز على سبب عميق جدًا يرتبط بالعلاقات بين الشركاء والقيادات والأنماط الشخصية، وأحب أن أسميه «الأطباع النقيضة».

من منظور الأنماط الشخصية، يمكن تصنيف العلاقات إلى أربعة أصناف: تشمل الأنماط الشبيهة، والأنماط المتكاملة، والأنماط المختلفة، والأنماط النقيضة. وغالبًا ما يكون اختلاف الأطباع بين الأنماط النقيضة سببًا عميقًا ومتكررًا للخلافات بينها. ونحن كبشر نتوقع من الناس أن يتصرفوا أو يتعاملوا معنا كما نتعامل معهم. فإذا تعاملوا بأسلوب أو بأطباع تختلف كليًا عن أطباعنا، فقد يسبب هذا الموقف بحد ذاته مشكلات إذا لم ننتبه إليه، ولم نعرف بالضبط كيف نتعامل معه.

عند تقييم القيادات أو العلاقات بين الشركاء، أو العلاقات في الشركات العائلية، فإنني أقيم نضج كل شخص واتزانه من خلال قدرته على احتواء الأنماط النقيضة، وكيفية تعامله معها بعقل وحكمة واتزان.

لنأخذ بعض الأمثلة على الأطباع النقيضة في بيئة العمل حتى تتضح الصورة.

الشخص الحالم بطبعه، الذي يعيش في أحلامه ويُتهم بأنه «Drama Queen»، غالبًا ما يستفز الشخص الواقعي بطبعه، الذي يحب الاستمتاع باللحظة، والذي يُتهم عادة بأنه شخص متنمر. وكل منهما يستفز الآخر، وما أكثر حالات التنمر التي نراها بين الشركاء، أو بين القيادات، أو حتى مع موظفينا، بسبب هذا الاختلاف في الطبع. 

ومثال آخر هو الشخص النظامي العقلاني بطبعه، الذي يُتهم بأنه شخص عسكري يمشي بالمسطرة وحد السيف. هذا الشخص يستفز بطبعه الشخص الدبلوماسي المرح، الذي يحب الاستمتاع باللحظة، ويحب أن يجمع الناس على قلب واحد. وكل منهما يستفز الآخر. في أحد المواقف، أخطأ شخص أمام من يمكن أن نسميه «العسكري»، فشعر بالحرج وابتسم بسبب إحراجه. فرد عليه الآخر قائلًا: هذا الشيء لا يُضحك. لماذا تضحك؟ كن جادًا !

وهناك أيضًا الشخص الذي يهتم بالناس بطبعه، ويراعيهم ويتابعهم، والذي قد يُتهم بأنه الأب المسؤول، هذا الشخص يستفز بطبعه الشخص العقلاني المستقل بأفكاره ووقته وخصوصياته. كل منهما قد يؤذي الآخر دون أن يشعر. فالأول يحب المتابعة والاهتمام بكل التفاصيل، بينما قد يفسر الثاني ذلك بأنه تدخل في خصوصياته، أو جمع لمعلومات عنه لا يفترض أن يعرفها الطرف الآخر. 

أما المثال الأخير فهو الشخص الذي يحب بطبعه أن يفهم كل شيء ويعرف كل شيء، وغالبًا ما يُتهم بأنه فيلسوف زمانه. هذا الشخص غالبًا ما يستفز الشخص الفنان الذي يحب أن يعيش اللحظة، ويتمتع بإحساس عالٍ، ويُتهم بأنه ملك الإحساس والاستمتاع باللحظة، وفي جميع هذه الأمثلة، فإن الاستفزاز متبادل، فكل شخص يستفز الآخر بطبعه، والعكس صحيح.

السؤال الآن هو كيف يمكن التعامل مع الأنماط ذات الأطباع النقيضة؟

أولًا، أن يعرف الشخص نمطه، حتى يعرف الأطباع التي يستخدمها بصورة غير مقصودة أو غير واعية. وثانيًا، أن يحدد الشركاء والقيادات المحيطين به الذين لديهم أطباع نقيضة. وبعد معرفة ذلك أبدأ بالتعامل بصورة أكثر رسمية. أخرج من وضعية «Autopilot»، التي أتعامل فيها دون أن أدقق في تصرفاتي، إلى وضع أكثر رسمية، حتى لا أفتح المجال للطرف الآخر صاحب النمط النقيض أن يتمادى أو يتمرد أو يتجاوز بسلوك لا يعجبني. وفي الوقت نفسه، لا أبادر أنا بسلوك قد يزعجه.

وهناك نقطة مهمة جدًا. أحيانًا يفكر الشخص في تقليد الطرف الآخر ويتساءل عما قد يحدث لو فعل ذلك. والجواب هو ألّا يحاول تقليده، لأنه سيبدو مزيفًا بصورة بشعة. فلا يلعب لعبته. يمكن أن يسايره، ويستجيب له، ويتقبله كلما فهمه أكثر، لكن لا يلعب اللعبة التي يلعبها الطرف الآخر، لأن الأمر سيكون مكشوفًا وواضحًا، وكأنه يستهزئ به، لا كأنه يتعامل معه بعقلانية ونضج واتزان.

قد تكون هذه الحلول أو الخطوات مناسبة مع الأشخاص الذين يكون الاحتكاك بهم خفيفًا نسبيًا. لكن يبقى السؤال، إذا كان هذا الشخص قريبًا جدًا مني في العمل، كشريك أو قائد أتعامل معه يوميًا، وكانت أطباعه نقيضة لأطباعي، فكيف يمكن أن أتعامل معه؟